محمد العامري الغزي

274

المطالع البدرية في المنازل الرومية

أما ترى الثّلج قد خاطت « 1 » أنامله * ثوبا يزرّ على الدنيا بأزرار نار ولكنها ليست بمبدية * نورا وماء ولكن ليس بالجاري « 2 » فيصبح الناس وصباحهم أبيض ، وجناحهم لا ينهض ، والعروق لا تنبض ، والبروق لا تومض ، والنيران مقرورة ، وشياه « 3 » الجليد مطرورة ، والوجوه في عبوس ، والوجود في بؤس ، قد جمدت الأبدان حتى كأنها بلا نفوس ، فأقمنا نكابد من ذلك الحال في تلك الأيّام عيشا مريرا ، واستمرينا أيّاما عديدة نشابه أهل « 4 » الجنّة بلا تشبيه في أنّا لا نرى فيها شمسا ولكن « 5 » زمهريرا ، ونشرب المياه من كأس كان مزاجها بالثلج كافورا ، ونتخذ النار من البرد جنّة ، ونرضى بها ونحن المؤمنين « 6 » بأن تكون لنا جنّة ، ولم يزل البرد مشتد الشكيمة ، ماضي العزيمة ، قد تهدد وتوعّد ، وأبرق [ 149 ب ] وأرعد ، والأنواء متواردة ، والأنداء متوافدة ، وإن لم تكن متتابعة ، ولا كبقية السنين متزايدة ، فإنّ هذا العام على ما شرح - ولله الحمد - أقلّ بردا من بقية الأعوام ، كما أجمع عليه من سكن الرّوم من العرب والعجم والأروام ، واستمر جيش الغمام محاصرا ليالي وأيّام ، يجرد بوارقه ، ويخوف بصوت رعده صواعقه ، ويفوق عن قوسه الممدود في الأفق نبل وبله ، ويبعث تحت مدد قطره سرايا سيوله ، فيستولي على الربى بخيله ورجله ، والثلوج قد شابت منها قلب الرجال ، كما شابت بها مفارق الجبال ، إلى أن هزمه الربيع بجنده ، وغلبه بجيوش زهره وشوكة ورده ،

--> ( 1 ) وردت في ( م ) : « حاكت » . ( 2 ) البيتان في يتيمة الدهر 2 : 118 ومعاهد التنصيص 3 : 112 . ( 3 ) وردت في ( ع ) : « وشنان » . ( 4 ) وردت في ( م ) و ( ع ) : « أصحاب » . ( 5 ) وردت في ( ع ) : ولا . ( 6 ) وردت في جميع النسخ : « المؤمنون » .